التيه كأزمة حكم لا كعقوبة إلهية
Eng Hadi
رغم أنني لا أعتقد بإمكانية إسقاط النظام في الجمهورية الإسلامية الشيعية، الكاسرة لأنوف الطغاة، فإن هذا الطرح الذي أكتبه لا ينطلق من فرضية السقوط بقدر ما يصدر من قراءة أراها في مصلحة التشيع في العالم الإسلامي. فطرح نموذج لنظام حكم شيعي خارج إطار الجمهورية الإسلامية لا يشكل تهديدا لها، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إضافيا لها في الإقليم، وهو ما أشار إليه الولي الفقيه في أكثر من توجيه حين أكد أن قوة التشيع لا تختزل في دولة واحدة ولا في تجربة سياسية بعينها.
غير أن الإشكالية لا تكمن في وجود الجمهورية أو غيابها، بل في استعداد القوى الشيعية خارجها، وخصوصا في العراق، للانتقال من منطق الاحتماء إلى منطق بناء الدولة. فمن دون هذا الاستعداد، قد يمر شيعة العراق بتجربة شبيهة بما مر به قوم نبي الله موسى، حين خرج قومه من سلطة الاستبداد لكنهم عجزوا عن الدخول إلى مرحلة الدولة، فدخلوا في تيه لم يكن جغرافي بقدر ما كان تيها في الوعي والقرار. لم يكن تيه قوم موسى في جوهره رحلة في الصحراء بقدر ما كان حالة ذهنية وسياسية، عجزت فيها جماعة خرجت من الاستبداد عن التحول إلى مشروع دولة.
هذا المعنى الرمزي للتيه يعود اليوم ليطرح نفسه بقوة عند مقاربة مستقبل شيعة العراق، ليس بوصفه تشبيها عقديا بل قراءة سياسية لتحولات اقليمية سريعة، حيث ان لسنوات طويلة، شكلت الجمهورية الاسلامية الشيعية مظلة سياسية أيديولوجية لقوى شيعية عراقية، وفرت لها الدعم والعمق وأحيانا شرعية القرار. لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن سقوط المظلات لا يعني امتلاك الطريق، بل اغلب الاحيان يُكشف هشاشة البنى التي اعتادت الاحتماء بالخارج بدل بناء الداخل.
خرج قوم موسى من سلطة فرعون لكنهم لم يمتلكوا الجاهزية للدخول إلى الأرض الموعودة. الخوف والانقسام والحنين إلى الماضي هذه الاسباب كلها جعلت الحرية التي منحت لهم عبئ لا مكسب. في الحالة العراقية، قد يحمل تفكك النظام في الجمهورية الاسلامية الشيعية لاسامح الله (وهو امر مستبعد جدا) إن حصل مفارقة مشابهة: انكشاف سياسي مفاجئ عن بعض القوى الشيعية في العراق.
الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في التغيير بحد ذاته، بل في اليوم التالي له. إذ يمكن أن يتحول الفراغ الإقليمي إلى ساحة صراع داخل البيت الشيعي، تتنافس فيها القوى على من يرث الشرعية لا على من يبني الدولة. وعوضا عن مواجهة التحدي، قد يستدعى الخارج مرة أخرى بأسماء ومحاور مختلفة، في إعادة إنتاج قيادات جديدة ذات توجه اخر.
أحد دروس التيه أن القيادة وحدها لا تكفي إن لم يكن المجتمع مؤهلا للتحول. موسى كان نبيا، لكن الجيل لم يكن مستعدا. وفي العراق، المشكلة ليست في غياب القيادات، بل في غياب القيادة التحويلية القادرة على نقل الشيعة من منطق الجماعة المحتمية إلى منطق المكون الحاكم المسؤول، ومن سردية المظلومية إلى سردية الدولة.
مع ذلك، فإن التيه ليس قدر محتوم. شيعة العراق ليسوا جماعة خارجة لتوها من العبودية، بل مكون حاكم يمتلك دولة ومؤسسات ومرجعية دينية ذات استقلال نسبي. ما يواجهونه هو احتمال تيه سياسي استراتيجي لا صحراء جغرافية: ارتباك في الخيارات، وفقدان للبوصلة، وتآكل للسردية الجامعة.
تجاوز هذا التيه المحتمل يبدأ من اعادة تعريف الهوية الشيعية بوصفها هوية دولة لا جماعة عابرة للحدود. كما يتطلب إنتاج مشروع وطني عراقي جامع وتجديد النخب بدل تدويرها، وبناء شرعية مستندة إلى المواطنة والمؤسسات الرصينة.
الخلاصة
لم يكن تيه قوم موسى عقوبة سماوية بقدر ما كان نتيجة عجز بشري عن تحمل كلفة الحرية. وبالمعنى ذاته، فإن أي تيه قد يواجه شيعة العراق لن تصنعه المؤامرات وحدها، بل ايضا مدى قدرتهم على الانتقال من زمن الاحتماء إلى زمن الحكم المسؤول.
اترك تعليقا:

