الفجر الصامت في فنزويلا: طخماس السقوط
Eng Hadi
استيقظ فجأة ليجد نفسه معتقلا. مشهدٌ يلخّص حقيقة سياسية طالما تكررت: شعور الأمان هو أكبر كمين يمر به القادة الدكتاتوريون. فحين يطمئن الحاكم إلى تماسك منظومته، تكون لحظة الانكشاف قد بدأت بالفعل.
أن ادارة الدولة بعقلية الارتجال، والاعتماد على الولاءات بدل المؤسسات، وتقديم الأمن الشخصي على أمن الدولة، فتسمى هذه الحالة بالطخماس السياسيى فحين يتحول هذا الطخماس إلى نهج، تصبح المنظومة نفسها قابلة للانهيار من الداخل.
ورغم اختلافنا في الرأي تجاه مادورو، فإن العملية التي قامت بها امريكا مخالفة لعدد من قرارات الأمم المتحدة، ويندرج ضمن سياسات التدخل التي تتجاوز مبدأ سيادة الدول. فالشرعية الدولية، كما أثبتت التجارب، اصبحت تفسر وفق ميزان المصالح لا القواعد.
من الناحية العسكرية الأمنية بالنسبة لعملية الفجر الصامت، لا تخلو من الخيانة والتجنيد الاستخباري. فالعمليات الكبرى لا تنجح دون اختراق داخلي. والسؤال الأهم ليس كيف حدث ذلك، بل: من هو عراب الخيانة داخل منظومة الحكم الفنزويلية؟
في التحليل السياسي، القاعدة واضحة: انظر إلى المستفيد… تعرف الخائن.
الأبعاد الجيوسياسية لإزاحة مادورو
إن إزاحة رأس النظام الحاكم في فنزويلا تحمل أبعاد جيوسياسية عميقة، تتجاوز الداخل الفنزويلي إلى موازين القوى الدولية، ولا سيما في سياق الصراع بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين وإيران من جهة أخرى.
فبالنسبة لإيران، تمثل فنزويلا أحد مصادر الطاقة والدعم الاستراتيجي المهمة، وتُعد بمثابة الرئة الثانية بعد العراق في ظل العقوبات والضغوط الغربية. خسارة كراكاس تعني تضييق إضافي على هامش المناورة الإيرانية، وقطع إحدى قنوات الالتفاف على العقوبات الامريكية.
أما في حال تشكل نظام جديد في فنزويلا، فمن المرجح أن يكون حليف استراتيجي لواشنطن، ما سيُعيد تموضع الدولة داخل المعسكر الغربي.
بالنسبة لروسيا والصين، فإن هذا الخلل في موازين القوى سيؤثر على تماسك المحور الثلاثي، ويفرض ضرورة زيادة الدعم المتبادل داخل هذا المحور، ولا سيما تجاه إيران. كما أن ذلك يمنح موسكو مبرر سياسي وأمني لتكثيف سياساتها الهجومية، وربما استخدام منطق المعاملة بالمثل، خاصة بعد الاستهداف الأخير لمقر الرئيس بوتين.
التحولات الجيوسياسية: ما بعد فنزويلا
التحول الأبرز لا يكمن فقط في إسقاط نظام، بل في ترسيخ سابقة جديدة: أن الصراع الدولي بات أكثر جرأة في استهداف رؤوس الأنظمة، لا الاكتفاء بإضعافها. هذا التحول يعكس انتقال النظام الدولي من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة كسر التوازنات بشكل مباشر. عليه، فإن ما جرى في كراكاس قد لا يكون نهاية أزمة، بل بداية مرحلة أكثر فوضوية في العلاقات الدولية، حيث تدار الصراعات بأدوات أمنية واستخبارية، وتستكمل بالادوات السياسية.
اترك تعليقا:

