الإعلامية : غادة محمد - سلطنة عُمان - في رحاب الحياة، يظل السعي والكدح من أبرز السمات التي تميز الوجود الإنساني، فمنذ فجر الخليقة والإنسان يسعى جاهداً لتأمين متطلباته الأساسية وتحقيق طموحاته. وفي المنظور الإسلامي، لا يقتصر السعي على كونه ضرورة حياتية فحسب، بل يرتقي ليصبح عبادة جليلة، وطريقاً موصلاً للرزق الوفير والبركة في العيش. السعي سبب رئيسي من أسباب الرزق.
لقد حث الإسلام على العمل والاجتهاد، وجعل السعي في طلب الرزق الحلال من أفضل القربات إلى الله تعالى. فالقرآن الكريم والسنة النبوية مليئان بالنصوص التي تدعو إلى الحركة والعمل، وتنهى عن الكسل والتواكل.
يقول الله تعالى في محكم آياته، موجهاً الإنسان إلى استغلال الأرض وما فيها من خيرات: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" هذه الآية الكريمة ليست مجرد إذن بالمشي في الأرض، بل هي دعوة صريحة للسعي والبحث عن الرزق في أرجائها الواسعة. كما يؤكد القرآن الكريم على أن الإنسان لا ينال إلا ثمرة سعيه وعمله، في قوله تعالى: "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ". هذه الآية ترسخ مبدأ العدل الإلهي، وأن الجزاء من جنس العمل، فمن سعى وجد ومن اجتهد حصد
من المفاهيم المغلوطة التي قد
تتبادر إلى الأذهان أن التوكل على الله يعني ترك العمل والاعتماد الكلي على القدر
دون بذل أي جهد. ولكن السنة النبوية الشريفة توضح هذا المفهوم بجلاء. ففي الحديث
الشريف الذي رواه الترمذي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أنكم تتوكلون على الله حق
توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً". هذا
الحديث العظيم لا يدعو إلى التواكل، بل يدعو إلى التوكل الحقيقي الذي يصحبه السعي
والعمل. فالطير لا تبقى في أعشاشها تنتظر الرزق، بل "تغدو" أي تخرج في
الصباح الباكر بحثاً عن طعامها، و"تروح بطاناً" أي تعود في المساء وقد
امتلأت بطونها هذه الحركة الدؤوبة هي جوهر السعي الذي أمر به
الإسلام.
ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على قيمة العمل اليدوي والكسب الحلال، فيقول: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده." وهذا يبين أن العمل الشريف، مهما كان نوعه، هو مصدر فخر وعزة، وهو خير من سؤال الناس. كما أن السعي في طلب الرزق يعتبر جهاداً، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): "الكدود على عياله كالمجاهد في سبيل الله."
إن التوازن بين السعي الدؤوب
والتوكل الصادق على الله هو مفتاح النجاح في الدنيا والآخرة. فالسعي هو بذل
الأسباب، والتوكل هو ربط النتائج بمسببها الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى. هذا
التوازن يمنح الإنسان القوة والعزيمة لمواجهة تحديات الحياة، ويملأ قلبه بالرضا والطمأنينة.
في الختام، يمكن القول إن السعي
ليس مجرد خيار، بل هو واجب ديني وضرورة حياتية إنه الفلسفة التي تحول الإيمان إلى
عمل، والأمل إلى واقع. فمن أراد الرزق والبركة، فعليه أن يسعى ويجتهد، وأن يثق بأن
الله لن يضيع أجر من أحسن عملاً. فالسعي هو مفتاح الرزق، وهو الطريق إلى حياة
كريمة، ومجتمع مزدهر، وآخرة سعيدة.
غادة محمد السيد
سلطنة عُمان
23 أبريل 2026
اترك تعليقا:
