-->

أدفع بالتي هي أحسن

 

 

حين يصبح الإحسان لغةً إنسانية تتجاوز الاختلافات وتنتصر على الإساءة

الإعلامية : غادة محمد – سلطنة عُمان - في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتباين فيه الثقافات، وتتعدد فيه الجنسيات واللغات وطرائق التفكير، تزداد حاجتنا إلى قيمة إنسانية قادرة على جمع ما تفرّق، وتقريب ما تباعد، وإطفاء نيران الخلاف قبل أن تتحول إلى خصومات لا تنتهي. إنها قيمة الإحسان، تلك القوة الهادئة التي لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت حضورها، ولا إلى شروط كي تمنح أثرها، ولا إلى مقابلة المعاملة بالمثل كي تظل نبيلة. ومن هنا تتجلى عظمة المبدأ القرآني الخالد: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".

ليست هذه العبارة مجرد توجيه أخلاقي يُقال في المناسبات، بل هي منهج حياة، وفلسفة في التعامل مع البشر، ودعوة إلى الارتقاء بالنفس فوق ردود الأفعال العابرة، والتحرر من أسر الإساءة المتبادلة. إنها دعوة إلى أن نختار ما يليق بقيمنا، لا ما تمليه علينا تصرفات الآخرين، وأن نجعل من أخلاقنا مرآةً لما نؤمن به، لا انعكاسًا لما نتلقاه من الناس.

الإحسان ليس مكافأةً للمحسنين وحدهم

من السهل أن نعامل من يحسن إلينا بإحسان، وأن نبادل الكلمات الطيبة بابتسامة، والاحترام باحترام مثله، والوفاء بوفاء يوازيه. لكن الاختبار الحقيقي لأخلاق الإنسان يبدأ حين يواجه من يسيء إليه، أو يختلف معه، أو لا يفهم طريقته في التفكير، أو يتعامل معه بفتور وجفاء.

هنا تظهر حقيقة الإحسان: هل هو قيمة راسخة في نفوسنا، أم مجرد رد فعل مرتبط بمزاج الآخرين وسلوكهم؟

إن التعامل بإحسان لا يعني أن ننتظر من الناس أن يكونوا مثاليين حتى نكون لطفاء معهم، ولا أن نعلّق أخلاقنا على شماعة تصرفاتهم. فليس من العدل أن نسمح لشخص أساء إلينا بأن يحدد طبيعة الإنسان الذي سنكونه، أو أن نمنحه سلطة تغيير مبادئنا لمجرد أنه لم يحسن التصرف.

قد يقابلنا أحدهم بكلمة قاسية، فنختار الرد الهادئ. وقد يسيء آخر فهم نوايانا، فنمنحه فرصة للتوضيح. وقد يختلف معنا شخص في الرأي، فنحترم حقه في الاختلاف دون أن ننتقص من قدره. وفي كل هذه المواقف، لا يكون الإحسان دليل ضعف، بل علامة على النضج والقدرة على ضبط النفس، والانتصار على الرغبة في الرد بالمثل.

الإنسان قبل الجنسية والثقافة واللغة

من أكثر الأخطاء التي تُضعف العلاقات الإنسانية أن نحكم على الناس من خلال جنسياتهم أو أصولهم أو ثقافاتهم، وأن نختزل الإنسان في جواز سفر يحمله، أو لهجة يتحدث بها، أو مظهر يختلف عن مظهرنا.

فالعالم ليس نسخة واحدة، والبشر لم يُخلقوا متطابقين في أفكارهم وعاداتهم وطرق تعبيرهم. إن اختلاف الثقافات ليس مبررًا للتنافر، بل فرصة للتعارف والتعلم وتوسيع آفاقنا. وما قد يبدو غريبًا في ثقافة ما، قد يكون جزءًا طبيعيًا من حياة أصحابها وتقاليدهم.

إن الإحسان الحقيقي هو أن نتعامل مع الإنسان بوصفه إنسانًا، قبل أن ننظر إلى هويته أو خلفيته. أن نحترم العامل الوافد كما نحترم المسؤول، وأن نصغي إلى من تختلف لغته عن لغتنا، وأن نعامل الغريب بكرامة لا تقل عن تلك التي نمنحها للقريب، وألا نجعل اختلاف الدين أو اللون أو الجنسية أو الثقافة سببًا للانتقاص من قيمة أحد.

فالكرامة الإنسانية لا تُمنح على أساس الانتماء، والاحترام لا ينبغي أن يكون امتيازًا لفئة دون أخرى.

وفي المجتمعات المتنوعة، تتضاعف أهمية هذه القيم؛ لأن استقرار المجتمع لا يقوم على تشابه أفراده، بل على قدرتهم على العيش معًا باحترام وعدالة، وعلى إدراكهم أن الاختلاف لا يلغي المشترك الإنساني بينهم.

قد لا نتفق في كل شيء، وقد تختلف نظرتنا إلى الحياة، لكننا نستطيع أن نتفق على ألا نجرح، وألا نهين، وألا نظلم، وأن نترك للآخر مساحةً يكون فيها نفسه دون خوف من السخرية أو التمييز.

حين تكون الكلمة الطيبة أقوى من الإساءة

كم من خلاف بدأ بكلمة، وكم من علاقة تضررت بسبب لحظة غضب، وكم من موقف كان يمكن أن ينتهي بسلام لولا أن أحد أطرافه اختار التصعيد بدل التهدئة!

إن الكلمات ليست أصواتًا عابرة فحسب؛ إنها رسائل تترك أثرًا في النفوس، وقد تفتح أبواب المودة أو تغلقها، وتبني جسور الثقة أو تهدمها. ولذلك فإن اختيار الكلمات الطيبة ليس ترفًا اجتماعيًا، بل مسؤولية أخلاقية.

قد لا نملك تغيير طباع الآخرين، لكننا نملك اختيار الطريقة التي نخاطبهم بها. وقد لا نستطيع منع كل إساءة، لكننا نستطيع ألا نكون امتدادًا لها. وقد لا نكسب كل نقاش، لكننا نستطيع أن نخرج منه محتفظين باحترامنا لأنفسنا ولمن نختلف معه.

وليس المقصود أن نتجاهل الأخطاء أو نتنازل عن الحقوق، بل أن نبحث عن الطريقة الأفضل لمعالجتها. فثمة فرق كبير بين أن نواجه الإساءة بالإساءة، وبين أن نواجهها بالحزم والاتزان؛ وبين أن نرد على الخطأ بما يشبهه، وبين أن نضع حدًا له دون أن نفقد إنسانيتنا.

إن الرد الجميل قد يطفئ غضبًا، والاعتذار الصادق قد يصلح علاقة، والإنصات الهادئ قد يكشف سوء فهم، والموقف النبيل قد يغيّر صورةً سلبية حملها شخص عن الآخرين. وهذه كلها صور من الإحسان الذي لا يكتفي بتجنب الشر، بل يسعى إلى صناعة الخير.

الإحسان لا يعني قبول الظلم

ومع كل ما يحمله الإحسان من معانٍ سامية، فإنه لا يعني أن يكون الإنسان مستباحًا للآخرين، أو أن يصمت عن الظلم، أو أن يسمح بالإهانة المتكررة بحجة التسامح وحسن الخلق.

فالحكمة تقتضي أن نميز بين العفو الذي نختاره قوةً، والتنازل الذي يُفرض علينا خوفًا. وبين التسامح الذي يحرر القلب من الحقد، والصمت الذي يسمح باستمرار الأذى. وبين احترام الآخرين والتخلي عن احترام الذات.

يمكن للإنسان أن يكون محسنًا وحازمًا في الوقت نفسه، وأن يعفو دون أن يعيد الثقة إلى من لم يثبت استحقاقه لها، وأن يرفض التجاوز دون أن يهين صاحبه، وأن يبتعد عن علاقة مؤذية دون أن يحمل في قلبه رغبة في الانتقام.

فالإحسان ليس إلغاءً للحدود، وإنما تهذيب للطريقة التي نضع بها تلك الحدود. وليس استسلامًا للإساءة، بل اختيارًا واعيًا لردٍّ لا يجعلنا نسخةً ممن أساء إلينا.

ومن أرقى صور الإحسان أن نقول «لا» حين يجب أن نقولها، لكن دون تجريح؛ وأن نطالب بحقوقنا دون ظلم؛ وأن نواجه الخطأ بشجاعة، دون أن نحول المواجهة إلى معركة لإهانة الآخرين.

من الفرد إلى المجتمع: أخلاق تصنع بيئةً أكثر إنسانية

لا تتوقف آثار الإحسان عند حدود العلاقة بين شخصين، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله. فحين يصبح الاحترام سلوكًا يوميًا في أماكن العمل، وفي المؤسسات، وفي الشوارع، وفي المدارس، وفي التعامل مع أصحاب المهن والخدمات، تنشأ بيئة أكثر طمأنينة وتعاونًا.

الموظف الذي يعامل المراجع باحترام، والمسؤول الذي يستمع إلى من هم دونه في المنصب، والمعلم الذي يصون كرامة طلابه، وصاحب العمل الذي يقدّر جهود العاملين لديه، والمواطن الذي يحترم المقيم، والمقيم الذي يبادل المجتمع احترامًا واحترامًا لقوانينه وثقافته؛ جميعهم يشاركون في بناء مجتمع لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بمكانته، بل تُصان فيه كرامته بوصفه إنسانًا.

ولا يحتاج الإحسان دائمًا إلى أعمال كبيرة أو تضحيات استثنائية. أحيانًا يبدأ بابتسامة صادقة، أو كلمة شكر، أو اعتذار في وقته، أو مساعدة من يحتاج إليها، أو امتناع عن السخرية من اختلاف الآخرين، أو إنصاف شخص غائب حين يتعرض للظلم.

إن هذه التفاصيل الصغيرة، حين تتكرر، تتحول إلى ثقافة عامة، وحين تصبح ثقافة عامة، تغدو أساسًا للثقة والتماسك الاجتماعي. فالمجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، على أهمية القوانين، بل تحتاج أيضًا إلى ضمير حيّ يحول القيم إلى سلوك، ويجعل احترام الإنسان ممارسة يومية لا شعارًا موسميًا.

لماذا نختار الإحسان حتى حين لا نجد مقابله؟

قد يقول قائل: لماذا نحسن إلى من لا يحسن إلينا؟ ولماذا نمنح الآخرين احترامًا قد لا يمنحوننا مثله؟ أليس من العدل أن نعامل الناس كما يعاملوننا؟

يبدو هذا السؤال منطقيًا في ظاهره، لكنه يجعل أخلاقنا رهينةً لأخلاق الآخرين، ويحول العلاقات الإنسانية إلى حسابات متبادلة لا مكان فيها للعفو أو المبادرة أو السمو.

إننا نختار الإحسان لأنه يعبر عن قيمنا نحن، لا لأنه ضمان للحصول على مقابل. نختاره لأننا لا نريد أن تتحكم الإساءة في ضمائرنا، ولا أن يتحول الغضب إلى أسلوب حياة، ولا أن تنتقل القسوة من شخص إلى آخر حتى تصبح سلوكًا مألوفًا.

وقد لا يردّ بعض الناس الإحسان بإحسان، وقد يسيء آخرون فهمه، لكن ذلك لا ينقص من قيمته. فالعمل النبيل لا يفقد معناه لأن أحدًا لم يقدّره، كما أن الكلمة الطيبة لا تصبح خطأً لمجرد أنها لم تجد صدىً لدى من سمعها.

ومع ذلك، فإن الإحسان لا يُمارَس انتظارًا لامتنان الناس، ولا رغبةً في إثبات التفوق الأخلاقي عليهم؛ بل يُمارَس لأن الإنسان يختار أن يكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من دائرة الإساءة المتكررة.

ولعل أجمل ما في هذه القيمة أنها تمنح صاحبها حرية داخلية؛ فلا يصبح أسيرًا لغضب الآخرين، ولا يضطر إلى تغيير مبادئه مع كل موقف، ولا يفقد سلامه النفسي في محاولة للانتصار في كل خلاف.

"ادفع بالتي هي أحسن"… رسالة تتجاوز حدود الزمان والمكان

يقول الله تعالى في سورة فصلت، الآية 34: «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ».

تحمل هذه الآية دعوةً عميقة إلى تجاوز منطق المعاملة بالمثل حين يقود إلى مزيد من العداوة، واختيار الأسلوب الأفضل في مواجهة الخلاف. وهي تذكّرنا بأن الاستجابة للإساءة ليست محكومة بخيار واحد، وأن الإنسان قادر على كسر دائرة الخصومة حين يختار الحكمة والإحسان.

فكم من علاقة استعادت عافيتها بعد كلمة طيبة، وكم من خلاف هدأ حين تراجع أحد الطرفين عن التصعيد، وكم من حاجز نفسي تلاشى عندما بادر شخص إلى التعامل باحترام مع من كان يتوقع منه الرفض أو العداء!

لكن الآية لا تقدم وعدًا بأن كل مسيء سيتغير، ولا تعني أن كل خلاف سينتهي بالمودة؛ وإنما تفتح أمام الإنسان بابًا أخلاقيًا راقيًا، يختار من خلاله أفضل استجابة ممكنة، ويترك للآخر مسؤولية اختياره.

وهنا تكمن عظمة الإحسان: أنه لا ينتظر ضمانات كي يكون خيرًا، ولا يحتاج إلى تشابه في الهوية أو الفكر كي يكون ممكنًا، ولا يتوقف على أن يكون الطرف الآخر قريبًا أو صديقًا أو من البيئة والثقافة نفسيهما.

إنه مبدأ إنساني تتجلى قيمته حين نطبقه مع من يختلف عنا، وحين نتمسك به في اللحظات التي يكون فيها الرد القاسي أسهل، والانتقام أسرع، والتسامح أصعب.

كن أنت بداية التغيير

في النهاية، قد لا نستطيع أن نغيّر العالم كله، ولا أن نمنع كل إساءة، ولا أن نجعل جميع الناس متفقين أو متشابهين. لكننا نستطيع أن نغيّر الطريقة التي نتعامل بها مع من حولنا، وأن نرفض أن يكون اختلافنا مع الآخرين مبررًا لانتقاصهم، وأن نجعل الإحسان مبدأً ثابتًا لا يتبدل بتبدل الجنسيات والثقافات والمواقف.

فلنحسن إلى الناس لأن الإحسان قيمة، ولنحترمهم لأن الكرامة حق، ولنختلف معهم دون أن ننتقص منهم، ولنواجه أخطاءهم دون أن نظلمهم، ولنضع حدودنا دون أن نفقد إنسانيتنا.

ولنتذكر دائمًا أن الإنسان لا يُعرف فقط بكيفية تعامله مع من يحبونه ويقدّرونه، بل يُعرف أيضًا بكيفية تعامله مع من يختلفون عنه، ومن لا يملكون له منفعة، ومن لا يستطيعون ردّ الجميل إليه.

"ادفع بالتي هي أحسن" ليست دعوةً إلى أن ننتظر من الآخرين أن يكونوا أفضل، بل دعوةٌ إلى أن نبدأ بأنفسنا، وأن نختار الإحسان حتى حين يكون الخيار الأصعب.

فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الأشخاص الذين يردّون الإساءة بمثلها، بقدر ما يحتاج إلى أشخاص يمتلكون شجاعة كسر هذه الدائرة، ويؤمنون بأن الاختلاف لا يلغي الاحترام، وأن الإنسانية لا تعرف جنسية، وأن الأخلاق الحقيقية لا تتغير بتغير الوجوه.

كن محسنًا لا لأن الجميع يستحقون في نظرك، بل لأنك تؤمن بأن الإحسان هو ما يستحقه الإنسان من الإنسان. 

غادة محمد السيد

20 أكتوبر 2026

سلطنة عُمان

 


شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا: