كم أصبح الإنسان في هذا العصر بارعًا في إخفاء أوجاعه! يخرج كل صباح مرتديًا ملامح القوة، بينما يحمل في داخله روحًا أثقلتها الأيام، وأرهقتها المسؤوليات، واستنزفتها الصدمات التي جاءت متلاحقة، حتى لم يعد يعرف إن كان يقاوم الحياة أم ينجو منها.
لم تعد الضغوط استثناءً، بل أصبحت أسلوب حياة. نستيقظ على همّ، وننام على آخر، وبينهما نركض خلف لقمة العيش، ونلهث وراء الاستقرار، ونطارد أحلامًا تتراجع كلما اقتربنا منها. نؤجل راحتنا، ونؤجل سعادتنا، ونقنع أنفسنا بأن القادم أجمل، بينما الأعوام تمضي بصمت، تاركة على أرواحنا ندوبًا لا يمحوها الزمن بسهولة.
أصعب ما يواجهه الإنسان ليس التعب، بل ذلك الانتظار الطويل الذي لا يحمل إجابة. أن تنتظر وظيفة، أو شفاء، أو نجاحًا، أو عودة غائب، أو تحقيق حلم بنيته في خيالك عشرات المرات، ثم يمر الوقت، ولا يحدث شيء. يصبح الانتظار نفسه عبئًا، وتتحول الأيام إلى ساعات ثقيلة، وكأن الزمن اختار أن يمتحن قدرتك على الصبر.
ولعل أكثر ما يؤلم أن الحياة لا تمنحنا فرصة لالتقاط أنفاسنا. فما إن نتجاوز صدمة، حتى تستقبلنا أخرى. وما إن نلتئم من كسر، حتى نفاجأ بشرخ جديد. نتظاهر بالقوة لأن الظروف لا تسمح لنا بالانهيار، ونواصل السير لأن التوقف ليس خيارًا، حتى وإن كانت أرواحنا تتوسل قليلًا من السكينة.
كم من إنسان يبتسم اليوم، بينما يخوض في داخله حربًا لا يسمع صوتها أحد؟ وكم من قلب يضحك أمام الناس، ثم يعود إلى وحدته مثقلًا بأسئلة لا تجد إجابة؟ لقد أصبحنا نجيد إخفاء التعب أكثر من قدرتنا على تجاوزه، وأصبح الصمت لغة الأرواح التي أرهقتها كثرة الكلام دون أن تجد من يفهمها.
ومع ذلك... يبقى في الإنسان شيء لا ينكسر بسهولة. شيء اسمه الأمل. ذلك الضوء الخافت الذي يرفض الانطفاء، مهما اشتدت الرياح. فكل مرة نظن أننا وصلنا إلى نهاية القدرة على الاحتمال، نكتشف أن الله يزرع في أرواحنا قوة جديدة، تدفعنا لنكمل الطريق، رغم وعورته.
إن الأرواح المتعبة لا تحتاج إلى معجزات بقدر حاجتها إلى رحمة. إلى كلمة صادقة، وإلى يد تمتد دون مصلحة، وإلى قلب يشعر بها قبل أن تسرد أوجاعها. تحتاج إلى يقين بأن الانتظار لن يطول إلى الأبد، وأن الله لا يزرع حلمًا في القلب عبثًا، ولا يختبر صبر عباده إلا ليمنحهم ما يليق بثباتهم.
سلامًا لكل روح قاومت أكثر مما تحدثت، ولكل قلب أخفى دموعه حتى لا يُثقل كاهل الآخرين، ولكل إنسان نام وفي صدره ألف أمنية لم تتحقق، لكنه استيقظ في اليوم التالي مؤمنًا بأن رحمة الله أوسع من كل خيبة، وأن الفرج قد يتأخر، لكنه لا يضيع.
وسلامًا لأرواحنا المتعبة... تلك التي أنهكتها الحياة، ولم تُهزم. التي أثقلتها الأيام، ولم تفقد إيمانها. التي انتظرت طويلًا، وما زالت ترفع أكفها إلى السماء، مؤمنة بأن بعد كل هذا الصبر، سيأتي من الله جبرٌ ينسينا مرارة الانتظار، ويعيد إلى قلوبنا الحياة من جديد.
غادة محمد السيد
25 يوليو 2026
سلطنة عُمان
اترك تعليقا:
